السيد حيدر الآملي

300

تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم

فقدم الاجتباء والتوبة على الإهباط وكلاهما حسن ، قالوا : ومعنى الإهباط له هو انزاله عن دار كرامته واستحقاق إفاضة نعيم الجنّة ، وذلك أنّ النفس الناطقة إذا أعرضت عن جناب الحق سبحانه ، والتفتت إلى متابعة الشياطين وأبناء الجنّ وموافقة إبليس بعدت عن رحمة اللَّه وتسوّد لوحها عن قبول الأنوار الإلهيّة ، وامّا دار البليّة وتناسل الذريّة ، فإشارة إلى الدنيا ، فإنّ الإنسان إذا التفت بوجهه إليها ، وأقبل بكلَّيه عليها هبط من أعلى علَّيّين إلى أسفل سافلين ، ولم يزل ممنوّا ببلاء ( على ) أثر إذ لا يقدّم في كلّ لحظة ووقت فوت مطلوب أو فقد محبوب يطلب ما لا يدرك ، ويجد ما لا يطلب وكفى بانقطاعه عن اللَّه تعالى بالتفاته إليها بلاء وأعظم به شفاء إذ كان سبب البعد عن رحمته والطرد عن أبواب جنّته . فإن قلت : لم ذكر تناسل الذريّة في معرض الإهانة لآدم مع أنّه في الحقيقة من الأمور الخيريّة المندرجة في سلك العناية الإلهيّة ، فإنّ به بقاء النوع ودوام الإفاضة . قلت : إنّه وإن كان كذلك إلَّا أنّه لا نسبة له في الحقيقة إلى الخير الَّذي كان في الجنّة ، فإنّ تناسل الذريّة خير إضافيّ عرضيّ بالنسبة إلى الكمال الَّذي يحصل لأبناء النوع وذريّته . ثمّ النسبة إن حصلت فنسبة ( أخص ) أخسّ إلى أشرف ، فإنّ إنزاله وإهباطه عن استحقاق تلك المراتب السامية والإفاضات العالية إلى هذه المرتبة الَّتي يشارك فيها البهيمة وسائر أنواع الحشرات نقصان عظيم وخسران مبين . قوله : « واستبدل بالجذل وجلا ، وبالاغترار ندما . ظاهر ، فإنّ المقبل بوجهه على عباده الحقّ سبحانه المستشرق لأنوار كبريائه المعرض عمّا سواه أبدا مسرور مبتهج فإذا أعرض عمّا يوجب السرور والفرج والتفت إلى خسائس الأمور بسبب شيطان قاده إليها وزيّنها لعينه فانكشف عنه سرّ اللَّه وبدت سوأته للناظرين بعين العاقبة من عباد اللَّه الصالحين ، ثمّ أخذت بصبعه العناية الإلهيّة وتداركته الرحمة الربّانيّة فانتبه من رقدة الغافلين في مراقد الطبيعة فرأى السلائل والأغلال قد أحاطت به وشاهد الجحيم مسعّرة عن جنبتي الصراط المستقيم ، وتذكّر قوله تعالى :